الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
225
تفسير روح البيان
الحيوانية فان وكل الإنسان إلى طبعه تكون الغلبة للنفس والبدن على الروح والقالب وهذا حال الأشقياء وان أيد القلب بالوحي في غيابة جب القلب إذا سبقت له العناية الأزلية تكون الغلبة للروح والقلب على النفس والبدن وهذا حال السعداء فالأنبياء وكذا الأولياء مؤيدون من عند اللّه تعالى بالوحي والإلهام والصبر والاحتمال وان كانوا في صورة الجفاء والجلال وقد قضى اللّه تعالى على يعقوب ويوسف ان يوصل إليهما تلك الغموم الشديدة والهموم العظيمة ليصبرا على مرارتها ويكثر رجوعهما إلى اللّه تعالى وينقطع تعلق فكرهما عما سوى اللّه تعالى فيصلا إلى درجة عالية لا يمكن الوصول إليها الا بتحمل المحن العظيمة كما قال بعض الكبار سبب حبس يوسف في السجن اثنتي عشرة سنة تكميل ذاته بالخلوة والرياضة الشاقة والمجاهدات مما تيسر له عند أبيه ومن هذا المقام اغترب الأنبياء والأولياء عن أوطانهم : قال المولى الجامي بصبر كوش دلا روز هجر فائده چيست * طبيب شربت تلخ از براي فائده ساخت وقال بعضهم ابتلى أبوه بفراقه لما في الخبر انه ذبح جديا بين يدي أمه فلم يرض اللّه تعالى ذلك منه وارى دما بدم وفرقة بفرقة لعظمة احترام شأن النبوة ومن ذلك المقام حسنات الأبرار سيآت المقربين وقال بعضهم استطعمه يوما فقير فما اهتم باطعامه فانصرف الفقير حزينا وفيه نظر كما قاله البعض لان ذلك لا يليق بأخلاق النبوة وقال بعضهم لما ولد يوسف اشترى يعقوب له ظئرا وكان لها ابن رضيع فباع ابنها تكثير اللبن على يوسف فبكت وتضرعت وقالت يا رب ان يعقوب فرق بيني وبين ولدي ففرق بينه وبين ولده يوسف فاستجاب اللّه دعاءها فلم يصل يعقوب إلى يوسف الا بعد ان لقيت تلك الجارية ابنها وفي الحديث ( لا توله والدة بولدها ) اى لا تجعل وآلهة بتفريقه منها وذلك في السبايا كما في الجوهري ومن أحاديث المقاصد الحسنة ( من فرق بين والدة وولدها فرق اللّه بينه وبين أحبته يوم القيامة ) ومثل هذا وان كان بعيدا بالنسبة إلى الأنبياء عليهم السلام الا ان القضاء يفعل ما يفعل قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره إذا شاء الحق إنفاذ قوله تعالى وكان امر اللّه قدرا مقدورا على عموم الافعال في العبد بإيفاء زلة منه يجرى عليه القدر بما اراده ثم يرده إلى مقامه ان كان من أهل العناية والوصول قيل لأبي يزيد قدس سره أيعصى العارف فقال وكان امر اللّه قدرا مقدورا : قال الحافظ جايى كه برق عصيان بر آدم صفى زد * ما را چه كونه زيبد دعوئ بي كناهى هذا بالنسبة إلى حال يعقوب وابتلائه واما بالنسبة إلى يوسف فقد حكى انه أخذ يوما مرآة فنظر إلى صورته فأعجبه حسنه وبهاؤه فقال لو كنت عبدا فباعونى لما وجد لي ثمن فابتلى بالعبودية وبيع بثمن بخس وكان ذلك سبب فراقه من أبيه وفيه إشارة إلى أن الجمال والكمال كله للّه تعالى وإذا أضيف إلى العبد مجازا فلا بد للعبد ان يجتهد إلى أن يصير حرا عما سوى اللّه تعالى ويتخلص من الإضافات والقيود ويرى الأمر كله للّه تعالى ويكون عبدا محضا حقا للّه تعالى : قال المولى الجامي كسوت خواجكى وخلعت شاهى چه كند * هر كرا غاشيهء بندگيت بر دوش است